|
البنية التحتية للذات ووعي الأختلاف
120081118115527.gif
آلمني مثل آخرين ماسمعته عبر برنامج تلفزيوني بثته احدى الفضائيات العربية، حديث لشابه عراقية في المرحلة الجامعية تحكي تجربتها في جامعة بغداد بعد الاحتلال. كيف إنقلبت موازين؟، وكيف ديست قيم ومبادئ واعراف كانت مسلمات إجتماعية عرف بها العراقيون منذ مئات السنين؟
الفم المملوء بمرارة اليأس كان سمة الحديث الغالبة.. كانت تخرّس قسراً، وتمنع عن الكلام، وتكفّر لمجرد ابداء رأي.. والسبب إنها من طيف عراقي جميل يمثل أحد تلاوين فسيفسائنا البهية (الصابئة المندائية).
وطبعاً فالمخرّس أو المانع أو المكفّر وإن كان جامعياً، فهو لايعرف بالتأكيد أن تاريخ هذا الطيف سبق الاسلام والمسيحية معاً وهو دين توحيد ايضاً.
صور مختلفة من عراق اليوم، أريد لها قسراً ان تكون إلغائية، وهي لم تكن موجودة يوماً. نشأت مع الاحتلال والهدف معلن تغييب الهوية الوطنيه مقابل تسيّد هويات لها مرجعيات فرعية (طائفية-مناطقية-عشائرية.....الخ) هويات منفرّة غير جامعة، لاتقوم على أسس ثقافية، وبالتالي فهي لاتعي الاعتراف بالتعدد والقبول بالآخر المختلف والحوار.. كما إنها لاتقر بإن الاختلاف واقعة، مع أن الوعي الديني بأبعاده الاجتماعية- والثقافية والسياسية كان قد أشّر على ذلك معبراً عنه بالنص القرآني الكريم الذي اكدّ على أهمية الاختلاف كشرط أخلاقي في المقام الاول (لا اكراه في الدين قد تبيّن الغّي من الرشد..).
لقد أعطى هذا النص المنزّل على الرسول الأمي (ص) قبل اكثر من 1400عام، حصانة الاختلاف لجهة عدم الإكراه، وهي محاولة مهمة لبناء ذات جديدة قائمة على الاختلاف. أي الخروج من الذات، ومن ثم محاكمتها موضوعياً، حيث الموقع الجديد لها، والتاريخ علمنّا أن ما من استبداد اجتماعي إلاّ وتؤطره حماية قلاع الإستبداد السياسي.
العراق كان بلد الحضارات الاولى، وقانونها المدني الاوّل، ومحاولات تفكيك محتوى واقعه (الاجتماعي- الثقافي) بعد الاحتلال لم يكن بهدف فهم علاقاته المركبة، بل بهدف تحطيمه وتدميره، لذا نعتقد أن تعميق وعي الاختلاف وقبول الآخر يبدأ من إعادة تأسيس البنى التحتية لذات البعض، حيث سيكون أداة للتقدم الاجتماعي يخرج فيها الفكر البشري من عماه الارسطي الى العقل المنظم.
عبد الكريم العبيدي
2008-11-18 |