|
|
:::::: :
ثــــقـــــافيـــــــــة
: :::::: |
تطور الواقعية في شعر عبد الله كوران

منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر، بدأت فترة ظهور شعر –حاجي قادري كوبي (1816- 1892) مدرسة الشعر التنويري الديمقراطي في تاريخ الأدب الكوردي. وبعد تعاظم الافكار الوطنية، والتغني بحركات التحرر الوطني والقومي، والدعوة الى التزود بالمعارف، والمدنية الحديثة من الجوانب المميزة للشعر الكوردي، وكان للأفكار الاجتماعية التاريخية، اثر بالغ في نضوج شكل الشعر الحديث ومضمونها وتلاشي التقاليد والأصول الأدبية المحافظة، وتجاوز النظم الجامدة، وبدأ الوزن الهجائي موازياً مع الوزن العروضي بالتطور والازدهار.وفي مستهل القرن العشرين وبعد تمزق الأمبراطورية العثمانية، واتساع حركة النضال من أجل التحرر القومي، وتحويلها الى نضال شعبي عارم، بعد سنوات 1918- 1932، أحتلت موضوعات النضال ضد الاستعمار في الشعر الكوردي مكاناً أوسع، وتركت الرومانسية كأسلوب أدبي متميز اثراً بليغاً في تطور الأدب الكوردي، وتمثل غنى هذا الأدب عموماً أربع مراحل أدبية مهمة، تقترن عادة بـ (حاجي قادري كوبي) و(عبدالله گوران)...
لقد نشأ شعر عبدالله كوران على الأرضية الاصيلة للشعب الكوردي التنويري الديمقراطي الذي ابتدع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فقد بدأ الشاعر منذ عام 1920 بإبداعاته، خالقاً في الأدب الكوردي المعاصر انعطافاً عظيماً.ولد عبدالله كوران سنة 1904 في مدينة (حلبجة) في محافظة السليمانية، فقد كان جده عبدالله بگ وابوه سليمان بگ شاعرين،لقد كتب كوران تجاربه القلمية الاولى تحت هذا اللقب أيضاً، فكما تسمى كوران باسم جده عبد الله، كذلك تلقب لفترة من الزمن بلقبه أيضاً. اما هذا اللقب فقد اكتسبه جده في ديوان (عثمان باشا) رئيس قبيلة الجاف الكوردية العظيمة، إذ كان كاتباً لديه ومؤدباً لأولاده في عهد الأمبراطورية العثمانية. إن كلمة (كوران) تطلق على اكبر القبائل الكوردية، ذات الشهرة التأريخية واوسعها نفوذاً في كوردستان. ومنذ السنوات الاولى من شبابه، كان يدعو الى وحدة جميع القبائل الكوردية. ومنذ السنوات الاولى من الطفولة سحر قلب عبدالله النقي المفتون بشهرة الشاعرية لجده وأبيه التي نظمها الشاعر في الثالثة عشرة والرابعة عشرة من عمره.لقد أضافت السنوات 1922- 1925 عبدالله كل الوان البؤس والحرمان في الحياة، ويعتبر كوران ظروف الحياة العصيبة كأمتحان، مستخلصاً إرادته وقدرته وإباءه وشجاعته ومبادئه من التجربة العملية، ناظراً الى المستقبل بعين الأمل والتفاؤل. استطاع عبدالله كوران معلماً في عدد من قرى السليمانية، اعتباراً من سنة 1925 حتى سنة 1937 واطلع بواسطة المثقفين الطيبين من الغيورين على مصير الفن والأدب.ومن تجوال الشاعر في القرى الكوردية والتنقل في ربوعها كان يحس من الاعماق بما للشعب الكوردي من مصير مفجع، وتندمل في أعماقه مشاعر السخط والاحتجاج المتمردة الحادة، فلم يكن في استطاعته ان يصالح وقع الاحداث المروعة للحياة التي عاشها، ولم يكن في مقدوره أن ينام عن آلام الجراح المبرحة لوطنه المنكوب. فأضطر لترك مهنة التعليم. وعمل في دائرة الاشغال في مختلف دوائر الدولة. معيلاً عائلته بشتى الصعوبات. وخلال ممارسته مهنة التعليم لعب دوراً مهماً في تطوير اتجاهه كشاعر واقعي.تعتبر سنوات الحرب العالمية الثانية في حياة الشاعر مرحلة النضال ضد الفاشية. وكان النضال بحزم ضد الفاشية يومئذ يفرض نفسه بإلحاح في اوساط المثقفين التقدميين لهذه البلدان كواجب قومي وعالمي لابد من تصعيده. وفي ذلك الوقت اسس الانكليز محطة لاذاعة الشرق الأدنى ضد الفاشية، فعين الشاعر عبدالله كوران مديرا للقسم الكوردي وعمل فيها بـ(يافا) في فلسطين ابتداءً من ايلول عام 1942 حتى نهاية مايس 1945 وكرس معظم نشرياته الإذاعية في التوعية من أجل اليقظة القومية واستنهاض الروح الوطنية وتمجيد الانتصارات العظيمة التي احرزها الجيش الأحمر في قواته البرية السوفيتية ضد القوات الفاشية. وأبلغه البريطانيون بعدم رضاهم عنه وعن نشرياته الإذاعية وأساءوا المعاملة. فترك العمل وعاد الى العراق. وكانوا قد عادوه حتى في العراق ومنعوه من الاقامة في مدينة السليمانية. فأجبر على الاقامة في مدينة أربيل وعمل محاسباً حتى نهاية 1950. وفي عام 1950 سجنته حكومة نوري السعيد وخرج عام 1952، وعين رئيساً لتحرير جريدة (زين) الكوردية. ولقد حولت الجريدة الى جهاز منظم ضد الاستعمار والكفاح من اجل توطيد السلم، وكان يكتب فيها للدفاع عن مصالح الكادحين الفلاحين والقرويين الكورد، وناضل بشدة بشكل واسع ضد الاقطاعيين الكورد والدوائر الرجعية في البلاد وضد الاستعمار. وأصبح كوران أحد أعضاء منظمة الدفاع عن السلم منذ بداية تشكيلها في العراق وكان مناضلا بارزاً في سبيل صيانة السلم وتوطيده ففي عام 1952 حيث كان رهن السجون قبل في صفوف الحزب الشيوعي العراقي عضواً، وما اكسب شعر كوران النضالي بمزيد من الغنى والعطاء (الصنم وسادن الأصنام) و(في السجون) وتحولت حماسياته السياسية الى سلاح ماض وحاسم ضد الاستعمار والطغاة المحليين، كما اصبح كوران احد الأعضاء المبدعين لحركة السلم العالمي. ثم أودع السجن في خريف عام 1954 وخرج عام 1956 وبقي بدون عمل لفترة عدة أشهر، ثم بدأت حملة جديدة ضد الوطنيين وتعرية المستعمرين الذين شنوا حرب السويس فحكم عليه بالحبس لمدة ثلاث سنوات ومضت محكوميته في سجون كركوك وبعقوبة. وبعد قيام ثورة 14 تموز في العراق عام 1958، أفرج عنه مع جملة من السياسيين وزار مدناً كبيرة في عام 1959 منها باكو والصين وكوريا وموسكو ولينينكراد، وعاد الى العراق، وفي أيام رحلته هذه، انتخب عضوا عاملاً في مجلس السلم العالمي. وفي صيف عام 1962، سافر الى موسكو لغرض الاستشفاء والمعالجة. إلا أن مرض السرطان الذي أبتلي به آخذ يشتد عليه يوماً بعد يوم وبعد شهرين من حياته وفي اكتوبر/ تشرين الاول من السنة ذاتها أغمض عينيه عن الدنيا الى الابد. ودفن في مقبرة (الشعراء الابطال) مقبرة (تل سيوان) الواقعة قرب مدينة السليمانية.لخصائص شعر كوران، الجزالة والدرامية والموسيقى والوضوح والاشراق والبساطة والعمق وهي جوانب متمايزة تشهد بالتكامل الجمالي لهذا الشعر ويتولد كل ذلك من الوحدة العضوية بين الشكل والمضمون والتجانس الحي بينهما، ومن هنا انعدمت الرتابة والنسقية والابتذال. فطراوة الأحاسيس وجمال التعبير عن الافكار وحلاوة اللغة وسلاستها ورشاقتها ومتانة المنطق الجمالي تستحوذ على القارئ وتمتلك قلبه وشعوره معاً.
غالب مجيد الطويل 2009-08-15
|
|
|
|
|